رأيته في أسفل السلّم

Spread the love

القصة ترويها الآنسة م.سويفت

هذه قصة لا أتطرق لها كثيرا أمام الناس. وبكل صدق وصراحة أقول لكم إن هذه القصة ما زالت ترعبني حتى بعد أن مرّ ثلاثة عشر عاما على حدوثها. عندما بلغْتُ سن الثامنة عشرة حاولت استشارة الكثير من الأطباء النفسيين لمحاولة فهم ما حدث معي في طفولتي، لكن للأسف لم يتمكن أحدهم من تقديم شرح مقنع لما مررت به.

عندما كنت طفلة صغيرة، كنت -مثل معظم الأطفال- أخاف من الظلام. وقد قضيت طفولتي وأنا أقسم لوالدتي أنني أخاف الظلام لأنني أسمع فيه أصواتا لأناس يتكلمون، أصوات عادية ليست من النمط الذي نراه في أفلام الرعب، وإنما أصوات تشبه إلى حدّ كبير الأصوات التي نسمعها لأشخاص غرباء عنا، يتحدثون قربنا عن مواضيع تخصهم.

كان من الشائع في حياتي اليومية أيام طفولتي أن أستيقظ في منتصف الليل على “همسات” (هكذا كنت أدعوها أمام أمي عندما أخبرها عمّا أتعرض له).

لكن أمي لم تكن تعير تلك القصص أي اهتمام، ولطالما أمضت وقتها تشرح لي أن خيال الطفل قد يجمح إلى الاعتقاد بوجود أشياء غير موجودة أصلا، بل وحتى يمكن للطفل أن يصل إلى درجة رؤية هذه الأشياء مجسمة أمامه، وليس فقط سماع أصوات كما يحدث معي.

و رغم عدم قناعتها بأنني أسمع تلك الأصوات بالفعل، فإنها تساهلت معي كثيرا وكانت لا تعترض على أن أنام قربها ليلا كلما قفزت من سريري ليلا بعد سماع تلك الهمسات في غرفتي.

عشت سنة كاملة تقريبا مع هذا النوع الرعب، وبعد محاولات حثيثة لإقناع أبي وأمي أنني لا أتهيأ، قررت أن أتوقف عن إخبارهم بأي شيء يحدث، إذ كلما أصررت على سرد حادثة جديدة- كلما ظهرت عليهم علائم التململ واللامبالاة, في أحيان أخرى كانت أمي تعاقبني بأن ترسلني إلى غرفتي وتمنعني من الجلوس مع أخوتي.

اقتربت أعياد الميلاد، وبالنسبة لأي طفل يعيش في العالم المسيحي، تعتبر هذه الفترة من الفترات العجائبية التي يبدأ فيها بابا نويل (بالإنجليزية – البريطانية Father Christmas) بالتسلل إلى البيوت ليعرف أي الأطفال يستحق هدية، ومَنْ منهم سيوضع على لائحة المشاغبين فيحرم من الهدية القيمة لهذا العام.

كان البرد شديدا في تلك الليلة من ليالي مانشستر، واستيقظت على نداء مثانتي التي كادت تنفجر، وضعت قدمي في حذائي المنزلي، وهممت بهبوط الدرج من غرفة نومي التي كانت في الطابق الأول إلى الحمّام الذي يقع في الطابق الأرضي من المنزل.

انتبهت إلى نور أحمر في أسفل الدرج، وكاد قلبي يطير من مكانه… اقتربت ليالي الميلاد، ويبدو أن بابا نويل متسلل إلى المنزل ليراقب سلوكي كي يقرر إن كنت طفلة جيدة أم لا. شعرت بالفرح أنه يراني الآن بطريقته السحرية، و أنه سيعلم كم أنا شجاعة لأنني نزلت إلى الحمّام دون أن أوقظ أحد والديّ لمرافقتي.

هممت بنزول السلّم بهمّة وفرح، لكن بعد هبوطي درجتين أو ثلاثة، انقلب هذا الشعور إلى رعب يأسر كل خلية من خلايا جسدي… صوتٌ جهوريّ فيه الكثير من الذكورة، عميق وكأنه جاء من آخر  العالم. قال كلمتين فقط “انظري هنا”.

لم يكن في الصوت نبرة تهديد، فرأيت نفسي دون وعي أركز على بقعة النور الأحمر في أسفل السلّم… رأيتها تتسع في الغرفة إلى أن تتلاشى… ثم تعود للظهور مرة أخرى كبقعة مركزة متنقلة من حائط لآخر. في لحظة وَعْيٍ واحدة قررت الفرار فورا، كل ما كان في ذهني هو القفز بسرعة شديدة إلى سرير أمي، والاختباء تحت الغطاء إلى أن تشرق شمس الصباح.

“توقفي هنا” ناداني الصوت العميق وأنا أستدير إلى الوراء، وكأنما كان قد التقط فكرتي قبل أن أشرع بالتحرك لتنفيذها. في تلك اللحظة فقط رأيت النور الأحمر بطرف عيني يتحرك إلى غرفتي، تابعت الجري إلى غرفة نوم أمي، وتكورت في حضنها، تحت غطاء سريرها، ولم أتحرك طوال الليل…

في تلك الليلة كانت أصوات تحطيم وتكسير وسقوط أشياء ترد إلى مسامعي بيت الفينة والأخرى. كانت معظمها تأتي من الطابق السفلي، لكنني بقيت هادئة تحت الغطاء ولست أدري كم مرّ من الوقت قبل شروق الشمس لتعلن عن بدء يوم جديد.

ظلت أمي في الفراش، بينما همّ أبي للنزول إلى الحمّام، ليبدأ صباحه كالعادة بالاستحمام وحلاقة الذقن … لكن بمجرد أن وصل إلى أعلى الدرج (السلم) بدا على وجهه الذهول التام.

المزهريتان المفضلتان على قلب أمي مكسورتان. الزجاج متناثر في كل أنحاء غرفة المعيشة. جميع مصابيح الإنارة مكسورة أيضا… في الحمّام كانت المرآة مكسورة، وكان حوض المغسلة مخلوعاً تماما، أحدهم شده إلى خارج الحائط وتم تركه مستقرا على أرض الحمام.

لم أنبس ببنت شفة عن كل ما حصل في الليلة الماضية، وكان ذلك لسببين: الأول أنني أعرف ضمنا أن أحدا لم يصدقني يوما، فلماذا الآن، والثاني أنني لم أكن متأكدة أن الكلمات ستخرج من فمي إذا ما حاولت نطق أي حرف يتعلق بما جرى (لقد وصلت إلى أعلى مراحل الرعب التي يمكن أن تعيشها طفلة في السابعة من العمر.)

بعد تلك الحادثة لم أعد أسمع أية أصوات ليلاً، على الإطلاق.

عمري اليوم هو واحد وعشرون عاما، وأقول لكم بكل ثقة أنني متأكدة أن شيئا ما في تلك الليلة كان يقبع أسفل درحات السلّم… شيء كان له القدرة على التأثير الفيزيائي، قام بتحطيم كل تلك الأشياء وانصرف من البيت لأنه شعر أن بأنني لم أكن لأرحب بوجوده مهما أبدى من حكمة ولطف.

اليوم مازال الظلام يرعبني، وبكل صراحة-حتى ساعة روايتي لهذه القصة-  لا أجرؤ على النوم في بيتي إلا  إذا كانت المصابيح الكهربائية منارة في الصالة وغرفة النوم والمطبخ والحمّام على الأقل.

منذ ثلاث سنوات أصبحت مستقلة في حياتي،لكنني  لم أجرؤ يوما ولا أعتقد أنني يمكن أن  أجرؤ يوماً ما على التفكير بالسكن في منزل يحتوي على أدراج أو سلالم.

من يدري ما الذي يمكن أن يكون بانتظارك في أسفل السلّم… أنا شخصيّا متأكدة أنه لن يكون بابا نويل أو سانتا!

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *